أبي حيان الأندلسي

56

تفسير البحر المحيط

أضيفوا إليه لانخراطهم في طاعته وكونهم أعوانهم على غيرهم قاله مجاهد . وقال ابن عطية : وقوله * ( بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) * . وقيل : هذا مجاز واستعارة بمعنى اسع سعيك وأبلغ جهدك انتهى . وقال أبو علي ليس للشيطان خيل ولا رجل ولا هو مأمور إنما هذا زجر واستخفاف به كما تقول لمن تهدده اذهب فاصنع ما شئت واستعن بما شئت . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ورجله ؟ قلت : هو كلام وارد مورد التمثيل مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم ، واجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم انتهى . وقرأ الجمهور : * ( وَرَجِلِكَ ) * بفتح الراء وسكون الجيم وهو اسم جمع واحد راجل كركب وراكب ، وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية وحفص بكسر الجيم . قال صاحب اللوامح بمعنى الرجال . وقال ابن عطية هي صفة يقال فلان يمشي رَجِلاً أي غير راكب ومنه قول الشاعر : * رجلاً إلاّ بأصحاب وقال الزمخشري : وقرئ * ( وَرَجِلِكَ ) * على أن فعلاً بمعنى فاعل نحو تعب وتاعب ، ومعناه وجمعك الرجل وتضم جيمه أيضاً فيكون مثل حدث وحدثُ وندس وندس وأخوات لهما انتهى . وقرأ قتادة وعكرمة ورجالك . وقرئ : ورجل لك بضم الراء وتشديد الجيم والمشاركة في الأموال . قال الضحاك : ما يذبحون لآلهتهم وقتادة البحيرة والسائبة . وقيل : ما أصيب من مال وحرام . وقيل : ما جعلوه من أموالهم لغير الله . وقيل : ما صرف في الزنا والأولى ما أخذ من غير حقه وما وضع في غير حقه والمشاركة في الأولاد . قال ابن عباس : تسميتهم عبد العزّى وعبد اللات وعبد الشمس وعبد الحارث ، وعنه أيضاً ترغيبهم في الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية . وعنه أيضاً إقدامهم على قتل الأولاد قال الحسن وقتادة . وما مجسّوه وهوّدوه ونصروه وصبغوهم غير صبغة الإسلام . وقال مجاهد : عدم التسمية عند الجماع فالجان ينطوي إذ ذاك على إحليله فيجامع معه . وقيل ترغيبهم في القتال والقتل وحفظ الشعر المشتمل على الفحش ، والأولى أنه كل تصرّف في الولد يؤدي إلى ارتكاب منكر وقبيح ، وأما وعده فهو الوعد الكاذب كوعدهم أن لا بعث وهذه مشاركة في النفوس . * وقال الزمخشري : * ( وَعَدَّهُمْ ) * المواعيد الكاذبة من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة ، وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها ، والاتكال على الرحمة وشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ) في الكبائر والخروج من النار بعد أن يصيروا حميماً ، وإيثار العاجل على الآجل انتهى . وهو جاء على مذهب المعتزلة في أنه لا تغفر الذنوب بدون التوبة ، وبأنه لا شفاعة في الكبائر ، وبأنه لا يخرج من النار أبداً من دخلها من فاسق مؤمن . وانتصب * ( غُرُوراً ) * وهو مصدر على أنه وصف لمصدر محذوف أي وعداً غروراً على الوجوه التي في رجل صوم ، ويحتمل أن يكون مفعولاً من أجله أي * ( وَمَا * يَعِدُكُمُ ) * ويمنيكم ما لا يتم ولا يقع إلاّ لأن يغركم ، والإضافة إليه تعالى في * ( إِنَّ عِبَادِى ) * إضافة تشريف ، والمعنى المختصين بكونهم * ( عِبَادِى ) * لا يضافون إلى غيري كما قال في مقابلهم أولياؤهم الطاغوت وأولياء الشيطان . وقيل : ثم صفة محذوفة أي * ( إِنَّ عِبَادِى ) * الصالحين ، ونفى السلطان وهو الحجة والاقتدار على إغوائهم عن الإيمان ويدل على لحظ الصفة قوله * ( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) * . وقال الجبائي : * ( عِبَادِى ) * عام في المكلفين ، ولذلك استثنى منه في أي من اتبعه في قوله * ( إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) * واستدل بهذا على أنه لا سبيل له ولا قدرة على تخليط العقل وإنما قدرته على الوسوسة ، ولو كان له قدرة على ذلك لخبط العلماء ليكون ضرره أتم ، ومعنى * ( وَكِيلاً ) * حافظاً لعباده الذين ليس له عليهم سلطان من إغواء الشيطان أو * ( وَكِيلاً ) * يكلون أمورهم إليه فهو حافظهم بتوكلهم عليه . * ( رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن